حيدر حب الله
11
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
ولعلّه لهذه الشواهد وجدنا بعض من أدرج الآية في قضايا الاختلاف داخل الجيش ؛ فالبخاري ( 256 ه - ) جعل الآية في مطلع الباب الذي عنونه : « باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب وعقوبة من عصى إمامه » « 1 » ، كما جعل النووي ( 676 ه - ) هذه الآية وما حولها ، من الآيات التي جمعت آداب القتال في الإسلام « 2 » ، بل صريح كلمات الطبرسي أنّ التنازع في الآية يراد به التنازع في لقاء العدو ، كي لايضعفوا عن مقاتلته « 3 » . ولا نرتاب في أنّ ذلك كلّه صحيح ، وأنه من الصعب جداً تعميم النهي عن التنازع لغير حال الحرب والقتال ، فالخطاب خاص ؛ إلا أنه يمكن الاستناد إلى التعليل الوارد في الآية الكريمة : ( فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) ؛ فإن الفشل وذهاب الريح سيقا هنا مساق التعليل ، أي لا تتنازعوا كي لا تفشلوا . . وهذا معناه - حيث إن العلّة تعمّم وتخصّص كما قرّر في أصول الفقه - أن المهم عدم الوصول إلى مرحلة الضعف والوهن وذهاب القوّة والمنعة والدولة ؛ فأيّ تنازع يبلغ بالمسلمين هذه الحال يكون مشمولًا للتحريم ، تماماً مثل : لا تأكل الرمان فإنه حامض ؛ فكل تنازع يفضي لذلك يكون حراماً ، وإن لم يكن تنازعاً بين المقاتلين في جبهة الحرب ، فتفيد الآية مبدأ عدم التنازع بهذا المعنى ، والتنازع المضعِف لا يختصّ بتنازع المقاتلين كما هو جليّ .
--> ( 1 ) صحيح البخاري 4 : 26 . ( 2 ) النووي ، شرح مسلم 12 : 46 ؛ وانظر ايضاً : يحيي بن شرف النووي ، الأذكار النووية : 208 . ( 3 ) الطبرسي ، مجمع البيان 4 : 476 ؛ ولعلّه يستوحى أيضاً من الكاشاني ، التفسير الأصفي 1 : 441 ؛ والصافي 2 : 307 ؛ وما نقله عن المفسّرين الطبريُّ في جامع البيان 10 : 21 - 22 ؛ وابن أبي حاتم في تفسيره 5 : 1712 ؛ وراجع : تفسير السمرقندي 2 : 24 ؛ وتفسير الرازي 9 : 36 .